محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عباده به ، وأنه إنما أوصى به لقمان ابنه ، فكان معنى الكلام : وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ولا تطع في الشرك به والديك وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً فإن الله وصى بهما ، فاستؤنف الكلام على وجه الخبر من الله ، وفيه هذا المعنى ، فذلك وجه اعتراض ذلك بين الخبرين عن وصيته . القول في تأويل قوله تعالى : يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ . . . يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ اختلف أهل العربية في معنى الهاء والألف اللتين في قوله إِنَّها فقال بعض نحويي البصرة : ذلك كناية عن المعصية والخطيئة . ومعنى الكلام عنده : يا بني إن المعصية إن تك مثقال حبة من خردل ، أو إن الخطيئة . وقال بعض نحويي الكوفة : وهذه الهاء عماد . وقال : أنث تك ، لأنه يراد بها الحبة ، فذهب بالتأنيث إليها ، كما قال الشاعر : وتشرق بالقول الذي قد أذعته * كما شرقت صدر القناة من الدم وقال صاحب هذه المقالة : يجوز نصب المثقال ورفعه ؛ قال : فمن رفع رفعه بتك ، واحتملت النكرة أن لا يكون لها فعل في كان وليس وأخواتها ، ومن نصب جعل في تكن اسما مضمرا مجهولا مثل الهاء التي في قوله إِنَّها إِنْ تَكُ ومثله قوله : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ قال : ولو كان إن يك مثقال حبة كان صوابا ، وجاز فيه الوجهان . وأما صاحب المقالة الأولى ، فإن نصب مثقال في قوله ، على أنه خبر ، وتمام كان ، وقال : رفع بعضهم فجعلها كان التي لا تحتاج إلى خبر . وأولى القولين بالصواب عندي ، القول الثاني : لأن الله تعالى ذكره لم يعد عباده أن يوفيهم جزاء سيئاتهم دون جزاء حسناتهم ، فيقال : إن المعصية إن تك مثقال حبة من خردل يأت الله بها ، بل وعد كلا العاملين أن يوفيه جزاء أعمالهما . فإذا كان ذلك كذلك ، كانت الهاء في قوله إِنَّها بأن تكون عمادا أشبه منها بأن تكون كناية عن الخطيئة والمعصية . وأما النصب في المثقال ، فعلى أن في " تك " مجهولا ، والرفع فيه على أن الخبر مضمر ، كأنه قيل : إن تك في موضع مثقال حبة ، لأن النكرات تضمر أخبارها ، ثم يترجم عن المكان الذي فيه مثقال الحبة . وعنى بقوله : مِثْقالَ حَبَّةٍ زنة حبة . فتأويل الكلام إذن : إن الأمر إن تك زنة حبة من خردل من خير أو شر عملته ، فتكن في صخرة ، أو في السماوات ، أو في الأرض ، يأت بها الله يوم القيامة ، حتى يوفيك جزاءه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ من خير أو شر . واختلف أهل التأويل في معنى قوله فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ فقال بعضهم : عنى بها الصخرة التي عليها الأرض ؛ وذلك قول روي عن ابن عباس وغيره ، وقالوا : هي صخرة خضراء . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو السائب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن عبد الله بن الحرث ، قال : الصخرة خضراء على ظهر حوت . حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن عبد الله ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : خلق الله الأرض على حوت ، والحوت هو النون الذي ذكر الله في القرآن ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفاة ، والصفاة على ظهر ملك ، والملك على صخرة ، والصخرة في الريح ، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ، ولا في الأرض . وقال آخرون : عنى بها الجبال ، قالوا : ومعنى الكلام : فتكن في جبل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ